​قبل النوم صراع يومي مع الخوف والقلق

"أحلام بـسيطة" في غرفة بسيطة

غزة/ يحيى اليعقوبي:

قبل أن تخلد الأم وأطفالها إلى النوم تودعنفسها وأولادها خوفًا من تكرار الحدث السابق نفسه، أو أن تدخل أفعى لكونهم قريبين من أراضٍ زراعية، "البيت يجب أن يكون آمنًا.. لكننا نفتقده في بيتنا"، وهي لم تفقد الأمل بأن تتحقق أحلامهم البسيطة في ترميم وإصلاح بيتها وأن تقوم جهة خيرية بإنهاء صراعها اليومي مع الخوف والقلق الذي بات هاجسًا كبيرًا يجتاح تفكيرها كل ليلة تتحسس فيها من أي شيء.

الحادثة؛ استيقظت السيدة "ع. ض" التي تسكن في منطقة قيزان النجار في الطريق من محافظة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، إلى محافظة رفح، على ألم شعرت به في قدمها وهي نائمة وأولادها الصغار حولها، وبدأت المضاعفات تتغير وتظهر على حالاتها، اعتقدت أن القرصة من فعل "البعوضة" أو أي حشرة أخرى.

هاجس وخوف

ظلت تتفقد هي وزوجها وتبحث في أرجاء غرفتها عن الحشرة التي قرصتها، حتى وقعت عينها على ذلك الشيء الأسمر ذي ذيل له مخلب صغير لتدرك أن القرصة من فعل هذا "العقرب" السام، استطاع زوجها قتله، ومن ثم نقلها إلى المشفى ولحسن حظها أنقذ الأطباء حياتها وجنينها.

منذ تلك الليلة التي مر عليها عدة سنوات وتنام هذه المواطنة وأطفالها الصغار الثلاثة خائفة غير آمنة، نظرًا لوجود عدة فتحات وتشققات تمكن أي حشرة متطفلة من الدخول إلى بيتها، أو بالتسلل من حفر أرضية المنزل.

تعرجات وشقوق تملأ سقف البيت المصنوع من ألواح "الإسبست" و"الزينكو" من خلالها تتسرب مياه الأمطار في فصل الشتاء، تنخر البرودة عظام أجساد أطفالهم، وفي الصيف لا يستطيع الأطفال تحمل درجة الحر الشديد فيه، فيضطرون لمغادرته والجلوس في الشارع تحت رحمة أشعة الشمس مباشرة لعلها أقل شدة من ذلك السقف.

"أقل شيء نحتاج إليه أن نشعر بالأمان وهذا المطلب الصغير غير متوافر"، هذا ما تحلم به الأم وزوجها وأطفالهم بأن يكون لديهم بيت صغير يشعرون به في الأمان بالنسبة لهم حلم كبير، فمن سيحقق حلم هذه العائلة ويخرجها من مستنقع المعاناة والخوف؟ سؤال تتمنى الأم تحقيقه.

أكثر من 10 سنوات وهذه الأسرة بنفس المعاناة السابقة، لا يحصلون على مساعدات من الشؤون الاجتماعية، ولا يوجد مصدر دخل يومي يسد رمق وجوع ومتطلبات أطفالهم، إلا في بعض المرات حينما يعمل الزوج سائقًا أجيرًا مع أحد أصحاب السيارات وبالكاد حينها يستطيع العودة إلى بيتهم بعد عمل قد يستمر إلى 12 ساعة متواصلة بنحو 20 شيكلاً.

تقول الأم وعلامات الحزن بادية عليها أنها دائمًا تنتظر جهة أو لجنة إغاثية لتقرع باب بيتها منذ عدة سنوات، لكن باب البيت لم يقرع، ومع ذلك لم تفقد الأمل بتحقيق أحلام أطفالها المحرومين في هذه المساحة الصغيرة من أبسط حقوقهم في الحياة وهو حقهم في اللعب.

الظروف لا تحقق الوعود

الطفلة الكبيرة "غ" (رمز مستعار) التي تبلغ من العمر 8 سنوات ونصف كغيرها من الأطفال تطلب ألعابا بسيطة من والدها نظير تفوقها في مدرستها، ولا يجد الأب العاطل عن العمل سوى وعدها أنه في حال حصل على عمل سيجلب لها الهدية التي تتمناها، لكن الظروف الصعبة التي تعيشها الأسرة لا تمكن الأب من الإيفاء بوعده لطفلته.

حتى باتت تلك الطفلة تكتب على جدران البيت "بابا حبيبي؛ بدي عروسة" أو ترسل له رسائل مكتوبة بخطها إلى والدها مكتوب في إحداها: "قلبي الصغير لا يحتمل الانتظار.. بدي عروسة"، ثم تطلب في رسائل أخرى أن يحقق لها ما تتمناه كغيرها من الأطفال: "بابا جبت الأولى بدي ألعاب وغرفة الي وأنام وأنا مش خايفة".

والبيت الذي تسكن فيه العائلة، عبارة عن غرفة واحدة ومطبخ ودورة مياه، يأوي 5 أفراد، يعيشون وينامون في تلك الغرفة التي تسلل إليها ذات يوم عقرب وما زال يتسلل كل ليلة وكل يوم إلى هواجس تفكيرهم وخوفهم خشية من تكرار نفس السيناريو وتعريض حياتهم للخطر.

تتمنى الزوجة والعائلة التي رفضت الكشف عن اسمها هنا، أن يصل صوتها إلى ذوي الشأن والأمر، لتبني حالتهم وإسعاد أطفالها الصغار وتحقيق أحلامهم البسيطة، التي حالت الظروف دون قدرة الأبوين على تحقيقها؛ فكل همهما أو ما يستطيعان القيام به توفير لقمة عيشهم اليومية وغالبيتها تكون من الأكلات المعروفة كالعدس والمقالي وبعض الأشياء التي تكرر إعدادها بشكل يومي منذ عدة سنوات حتى كرهها أطفالها "شعور صعب أن يتمنى أولادك هدية أو لعبة بسيطة ولا تستطيع جلبها لأنك تريد إحضار الشيء الأهم، والشيء الأقسى على قلوبنا الخوف على حياتهم فكل ليلة أستيقظ من نومي عدة مرات أتفقدهم بشكل مستمر للاطمئنان على حياتهم".