احذروا الجوال!

أ.د. يوسف رزقة
الأربعاء ١٧ ٠٤ / ٢٠١٩

ما التوحد؟ التوحد كما يعرفه علماء التربية والسلوك: اضطراب عصبي ذهني يؤثر على حواس الطفل السمعية، والبصرية، واللغوية، ويحرفه عن قاعدتي التخاطب والتفاعل مع الآخرين بشكلها الطبيعي المعتاد، واذا لم يتدارك الأهل علاج الطفل سريعا فإن الطفل قد لا يستطيع الذهاب إلى المدرسة طبيعيا، ما يضطر أهله إلى نقله لمدرسة خاصة تعالج الإعاقات مع عملية التعليم.

ويبدو لي أن أخطاء الأم والأب، هي التي تعزز عيوب التوحد عند الطفل دون أن يشعر الوالدان بأنهما يضران بابنهما ضررا بليغا، ومن أسوأ هذه الأخطاء هو ما تقوم به الأم من ترك طفلها مع الجوال منفردين لساعات طويلة، لكي تقوم هي بأعمال البيت دون تدخل من الطفل، أو تقوم هي بالنوم لفترة متأخرة من النهار دون إزعاج الطفل. وما أقوله عن الجوال أقوله عن فضائية طيور الجنة التي تتخذها الأم وسيلة لإسكات طفلها، والحصول على ما تريد دون إزعاج، فيجلس الطفل معها لساعات طويلة يوميا، ثم يصل لمرحلة لا يرى غيرها ولا يطلب غيرها، ولا يستمع لطرف آخر يناديه، حتى للطعام، فيأكل طعامه وهو (يبحلق) في الشاشة.

بعد مدة من هذا الترك، يتوحد الطفل مع الجوال، ومع نفسه، فلا يرى الآخرين شريكا له، فلا ينصت لخطابهم وندائهم عليه، ولا يتفاعل معهم لغويا، ولا يشاركهم النظر واللعب، وتتعثر قدراته الحسابية، واستخدام حواسه بشكل مناسب، ويلوذ بالبكاء كلما أراد شيئا، أو أُخذ منه شيء يحبه.

احذروا الجوال، واحذروا فضائية طيور الجنة، ولا تتركوا أطفالكم معهما لفترات طويلة بعيدا عن مراقبتكم، وإن رأيتم رفضا من الطفل فلا تطيعوه، وعدلوا سلوكه، وإن استعصى عليكم الأمر فاذهبوا به إلى مؤسسات تعالج السلوك من خلال مختصين، كمؤسسة ... مثلا، ولا تسوفوا في الأمر تحت مزاعم أن هذه المظاهر ستزول مع الكبر، بل العكس صحيح حيث يصعب علاج السلوك كلما كبر الطفل.

علمت من إحدى المؤسسات أنه لا توجد إحصائية دقيقة للأطفال الذين يعانون التوحد، ولكن علمت أن لديها 240 طفلا على قائمة الانتظار، والمؤسسة لا تملك المال الكافي لاستيعابهم ، وأن الأهل ليس لديهم المال الكافي لعالج أبنائهم حيث يتطلب العلاج شهريا حوالي 200 دولار. وإن الدولة لا تقدم مساعدات لهذه المؤسسات، مع أن الثروة الوطنية الأولى في غزة وفلسطين هي في الطفل، والشاب، والرجل بعد ذلك.

يجدر بالدولة، وبمؤسساتها المختصة أن تقدم للشعب إحصائية حقيقية بهذه الحالات، وأن توفر لهم علاجا مناسبا، وإرشادات مناسبة، وأن تشجع مؤسسات العالج القائمة، إلى أن تتولى الدولة ذلك. وعلى الأمهات تقع أهم الواجبات العلاجية والوقائية، وعلى الآباء الحذر والتنبّه.