​أهالي وادي الحمص.. متى يُعاد الفرح إلى وجوههم؟!

صورة أرشيفية
القدس المحتلة–غزة / حازم الحلو:

هل أتاكم نبأ الأمان الذي تبخر في لحظة واحدة؟، وهل علمتم كيف يمكن أن يضيع تَعَبُ العُمر سدى بين أسنة الجرافات ولهيب المتفجرات؟، وكيف يمكن لنا أن نتخيل طفلًا فقد منزله، ورَبُّ أسرة ضاعت ذكرياته بين كومة من الأحجار والطلل البالي؟

هذه باختصار حكاية سكان القدس الذي هدم الاحتلال منازلهم، وآخر مآسيهم ما حصل في وادي الحمص، ببلدة صور باهر جنوب شرقي مدينة القدس المحتلة، قبل شهر تقريبًا، حينما انبلج أحد الصباحات على عشرات العائلات بائتة على قارعة الطريق، بعدما هدم الاحتلال منازلهم بكل صلف وعنجهية.

وكان الاحتلال شرع في هدم 16 مبنى بعدما منح الأهالي مهلة تصل إلى 30 يومًا انقضت في 18 من الشهر الماضي، لهدم منازلهم بأنفسهم أو تنفيذه هو الهدم وتغريمهم تكلفته.

المواطن المقدسي إسماعيل عبيدية جاء صوته عبر الهاتف حزينًا، وكأنه ينعى ذكرياته التي بقيت تحت ركام منزله، وأضحى هو وأسرته المكونة من ثمانية أفراد طريحي الأسى، تمر عليه أيامه ثقيلة بائسة.

ويجيب عن سؤال صحيفة "فلسطين" له، عن اللحظات التي رأى فيها جدار المنزل منقضًّا، فيروي أن سكان وادي الحمص لم يكونوا يتوقعون أن يكون تنفيذ الهدم وشيكًا ومفاجئًا، بل إن الزمن تجمد لديه عند لحظة انهيار المنزل، وكأن روحه يهوى بها في جب الحزن السحيق.

وظل المقدسي عبيدية يحاول أن يخفي دموعه التي تتحدر على وجهه، إذ يمر أمامه شريط الهدم لحظة بلحظة، وكيف أن توسلاته وصراخ أطفاله ونحيب زوجته لم تشفع للمأوى الذي طالما كان موئلًا للحب والوئام من أن يصير حطامًا، هكذا بكل بساطة وشماتة ظاهرة على وجه قائد الدورية الاحتلالية التي أخلته بالقوة من منزله.

ويحكي عبيدية أن سكان وادي الحمص ظلوا يتوجهون لمحاكم الاحتلال جيئة وذهابًا طوال عامين ونصف، يحاولون جهدهم أن يوقفوا قرارات الإزالة والهدم التي تسلموها، لكن لمن المشتكى حينما يكون الذئب هو القاضي، وحينما يكون قاضي الاحتلال الذي أصدر قرار الهدم هو الخصم والحكم، والترس الآخر في ماكنةقهر المقدسيين؟!

وبعد لحظات صمت قصيرة لا يسمع فيها إلا نشيج الصدر يأتي متسارعًا مضطربًا عبر الهاتف، يواصل عبيدية حديثه بأنه لم يبق له من البيت سوى الديون المالية التي تراكمت عليه، بعدما بناه وأثثه على أجمل ما يكون، ليبقى من الفرح الوجع، ومن البهجة الذبول كما يردد متأسفًا.

ويلفت عبيدية إلى أن مواطني وادي الحمص توجهوا إلى رئيس الحكومة في رام الله محمد اشتية لطلب الإسناد، لكنهم عادوا بحفنة وعود لم يتحقق أي منها، وكأنهم ليسوا مواطنين في منطقة يفترض أنها تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، لكن فاقد القدرة والقوة لن يعطيها إلا وعودًا فارغة.

"الأيام بيننا"

وليست هذه سوى حلقة واحدة من حلقات دراما الحزن والقهر في وادي الحمص، فعائلة المواطن المقدسي علي حمادة أُشرِبت من كأس القهر المترعة ذاتها التي سقا الاحتلال بها سكان الحي الأوجاع، ففقدوا البيت، وغارت نجوم الفرح، وغابت تحت لهب التفجير الذي التهم العمارة السكنية التي كانوا يقطنونها.

وجاء الصوت لصحيفة "فلسطين" عبر الهاتف متماسكًا، يخفي مواويل الحزن معتقة في خوابي القهر، وإذا عرف السبب بطل العجب، فالمواطن حمادة يعيش حاليًّا مع والده ووالدته في منزل العائلة، ولا يريد أن يزيد أوجاعهما وآلامهما، كما يقول.

لكن قدرة الاحتمال والصبر التي يتسلح بها المواطن حمادة ليست من أجله فقط كما يقول، بل من أجل أن يراه أبناؤه وهو لا يرضخ لظلم المحتل، ويحمل على كتفه جبل الصمود الذي سيخر هدًّا على الاحتلال في يوم قادم لا محالة.

ومن أجل ذلك حرص في أيام عيد الأضحى على أن يظهر الفرح والسرور برغم الحزن والقهر المركونين في زاوية معتمة من القلب، فذهب إلى أهله وأرحامه مهنئًا بالعيد، وداعيًا الله أن يخلفه خيرًا مما أُخذ منه.

ويبعث برسالة ملؤها العتاب وعدم الرضا عن موقف السلطة التي لم تفعل شيئًا من أجل مساندة أهالي واد الحمص، الذين من المفترض أنهم مواطنوها، ولهم الحق في تعويض الضرر الذي أصابهم، كما وعدهم بذلك أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير صائب عريقات الذي زارهم بعد الهدم مباشرة.

فهل سيفت الهدم في عضد المقدسيين؟، هكذا سألناه فعاجلنا بالإجابة: "لا يمكن أن يحدث ذلك بحال من الأحوال، فنحن إن غابت مساندة الأمة لنا، وتُرِكنا وحدنا في مواجهة الاحتلال؛ فإن صرخة الاستسلام لن تخرج إلا من فم الاحتلال، والأيام بيننا" منهيًا حديثه.