إغاثة الملهوف معروف يقي مصارع السوء

غزة- هدى الدلو:


إن تقديم العون والنصرة لمن يحتاج إليهما سلوك إسلامي أصيل، وخلق رفيع تقتضيه الأخوة الصادقة، وتدفع إليه المروءة ومكارم الأخلاق، فإغاثة الملهوف من أعمال الخير في الإسلام التي يتنافس فيها المؤمنون، وقد كانت حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) مثالًا يحتذى في كل شيء، ولا سيما إغاثة الملهوف، وتقديم العون لكل من يحتاج إليه.

الداعية د. محمد العامودي (تخصص الحديث الشريف وعلومه، وخطيب في وزارة الأوقاف) قال: "إغاثة الملهوف من أفضل المعروف، وهي عبادة الوقت، ولهذا كان صاحبها من خير الناس، لحديث رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "وَخَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ"، وفي رواية "أحب عباد الله"، كما جاء في الحديث الذي يرويه ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ), فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللهِ, أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟، وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ [يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ] شَهْرًا ... وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامِ)".

وذكر أن قضاء حوائج العباد له شرف الاصطفاء، قال رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "إِنَّ لِلَّهِ خَلْقًا خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، تَفْزَعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ فِي حَوَائِجِهِمْ، أُولَئِكَ الْآمِنُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ"، ولهذا كانوا من أسعد الناس في الدنيا والآخرة.

وأشار د. العامودي إلى أن أسعد الناس رجل على يديه تقضى للناس حاجاتهم، فضلًاعلى أنه يقدم لنفسه صدقةً تكون سببًا له في دخول الجنة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "وَتَسْعَى بِشِدَّةِ سَاقَيْكَ إِلَى اللهْفَانِ الْمُسْتَغِيثِ، وَتَرْفَعُ بِشِدَّةِ ذِرَاعَيْكَ مَعَ الضَّعِيفِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الصَّدَقَةِ مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ"، وقَالَ أيضًا: "لا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا تَحَابُّونَ عَلَيْهِ؟"، قَالُوا: "بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ"، قَالَ: "أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ، والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَرَاحَمُوا"، قَالُوا: "كُلُّنَا رَحِيمٌ"، قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ رَحْمَةُ أَحَدِكُمْ أَصْحَابَهُ، وَلَكِنَّهَا رَحْمَةُ العامة".

وأضاف: "ولا يمكن أن ننسى أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء وسوء الخاتمة، فجاء في قول خَدِيجَة لنبي الله (صلى الله عليه وسلم): (كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ".

وبين د. العامودي أنه لهذا حث النبي (صلى الله عليه وسلم) على إغاثة الملهوف فقَالَ: "مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ"، وقَالَ أيضًا: "من اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يستر أَخَاهُ الْمُؤمن بِطرف ثَوْبه فَلْيفْعَل"، ذلك أنه قربة يُثاب عليها، وقد مَرَّ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ، فقَالَ: "إِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَجْلِسُوا، فَاهْدُوا السَّبِيلَ، وَرُدُّوا السَّلَامَ، وَأَغِيثُوا الْمَلْهُوفَ".

ولفت إلى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد حذر من التقصير في إغاثة الملهوف حين قَالَ:"مَا مِنْ عَبْدٍ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَأَسْبَغَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ إِلَيْهِ فَتَبَرَّمَ، فَقَدْ عَرَّضَ تِلْكَ النِّعْمَةَ للزَّوَالِ"، وفي قوله: "مَا مِنْ إِمَامٍ يُغْلِقُ بَابَهُ دُونَ ذَوِي الحَاجَةِ، وَالخَلَّةِ، وَالمَسْكَنَةِ إِلَّا أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ، وَحَاجَتِهِ، وَمَسْكَنَتِهِ".