​بذرائع "الدبلوماسية" وتعزيز العلاقات

إفساد بالسلاح.. (إسرائيل) تصنع "التناقضات" في القارة السمراء

صورة أرشيفية
الخرطوم-نواكشوط-غزة/ نبيل سنونو:


ميرغني: (إسرائيل) تطبِّع مع الأنظمة وتنسج علاقات مع "تيارات متمردة"

منصور: الأرقام المتسلسلة لبعض الأسلحة تكشف أحيانًا أنها إسرائيلية المنشأ


يقول خبراء إفريقيون: إن تتبع الأرقام المتسلسلة لبعض الأسلحة في دول بالقارة السمراء يكشف أحيانًا أنها إسرائيلية المنشأ، مضيفين أن هذه الأسلحة تدخل بطرق مختلفة سواء لأنظمة تلك الدول أو لجماعات معارضة فيها.

ويمثل تطلع بعض الأنظمة في إفريقيا لتطوير قدراتها العسكرية والأمنية ثغرةً تتسلل منها (إسرائيل) لاختراق دول القارة، متسترة بذرائع "دبلوماسية"، ولعل الأسئلة الأكثر بروزا هي: ما الدوافع الحقيقية لتوريد دولة الاحتلال أسلحة إلى إفريقيا؟ وبيد من تقع؟ وبما تهدد؟

وفي الرابع من مارس/آذار الماضي ذكر تقرير في القناة 13 العبرية أن قوات "كوماندوز" تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي تدرب قوات محلية في أكثر من 12 بلداً إفريقيا، مبينا أن ذلك "يشمل جهودا مشتركة" مع وزارة خارجية الاحتلال وجهاز الأمن العام "الشاباك".

وأخيرا عيّنت (إسرائيل) الكولونيل أفيعيزر سيغال كأول ملحق عسكري لها في إفريقيا منذ عقود عدة، وزعم سيغال أن هؤلاء الجنود يتدربون على "مهارات إطلاق نار وحالات إنقاذ رهائن"، بحسب ما نقله موقع "ذا تايمز أوف إسرائيل".

ووفق الموقع نفسه فإن من بين الدول التي تتعاون معها الأخيرة: إثيوبيا، رواندا، كينيا، تنزانيا، مالاوي، زامبيا، جنوب إفريقيا، أنغولا، نيجيريا، الكاميرون، توغو، ساحل العاج وغانا.

وبحسب الموقع اتهمت الولايات المتحدة الميجر جنرال المتقاعد يسرائيل زيف باستخدام شركة "غلوبال CST" غطاء لبيع أسلحة بقيمة حوالي 150 مليون دولار للحكومة وللمعارضة في جنوب السودان، حيث أسفرت النزاعات العرقية عن مقتل حوالي 400 ألف شخص.

وتبين معطيات وزارة جيش الاحتلال أن غالبية عقود الصادرات الأمنية وقعت مع دول آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 46%، وأوروبا بنسبة 26%، وأمريكا الشمالية بنسبة 20%، وأمريكا اللاتينية بنسبة 6%، وإفريقيا بنسبة 2%، لكن هذه النسبة تُقابل بشكوك خبراء إفريقيين يقول: إنها تفوق ذلك.

ويقول القيادي في حزب البعث السوداني ضياء الدين ميرغني: إن (إسرائيل) تلعب على مستويين؛ فهي تطبع علاقاتها مع الأنظمة وفي الوقت نفسه تمد جسور علاقات مع "تيارات متمردة" وتدعمها بالسلاح، وهو ما يخلق أو يساعد في استمرار حالة التجزئة القائمة في البلدان الإفريقية.

ويضيف ميرغني في حديث هاتفي مع صحيفة "فلسطين" أن تجارة الأسلحة "مربحة" وتحقق مصالح "للكيان الصهيوني" ولتجار الأسلحة الذين يمارسون "هذه التجارة" الممنوعة بحكم القانون الدولي، لكن بحكم الوضع العالمي الراهن والدعم اللامحدود من الإدارة الأمريكية يتم غض الطرف عنهم.

وعن دوافع بعض الأنظمة الإفريقية لتلقي السلاح من (إسرائيل)، يقول ميرغني: "إن معظم الأنظمة الإفريقية غير ديمقراطية ولا تبحث عن مصلحة الشعوب بل عن مصلحتها ومهمتها كيف تحمي نفسها حتى لو ارتمت في أحضان أي دولة معادية مثل الكيان الصهيوني"؛ على حد قوله.

ويلفت إلى أنه رغم "العداء الظاهري" والشعارات بين أنظمة إفريقية و(إسرائيل) فإن هناك بعض التعامل بينهم.

ويتابع ميرغني: في الجانب الآخر هناك قوات متمردة تحتاج لامتلاك السلاح لإدامة وجودها على الأرض.

"إدامة حالة الصراع"

ويوضح أن استمرار حالة الضعف في دول إفريقية يُمكِّن (إسرائيل) من تحقيق أهدافها، قائلا: إن الأخيرة تريد ألا يكون هناك بلد إفريقي مستقر؛ لأن الاستقرار يعني الاقتصاد الجيد والاكتفاء الذاتي وعليه قد يحصل تحوّل عن هذه العلاقة إذا استجابت الحكومات للشعوب، ولذلك فإن (إسرائيل) تعمل على إدامة حالة الصراع وعدم الاستقرار في الدول التي تستهدفها.

ويتابع ميرغني: عندما تدعم كل دولة معارضة دولة أخرى فإن (إسرائيل) تستفيد من هذا التناقض.

وينبه القيادي في حزب البعث السوداني إلى أن (إسرائيل) تريد تعزيز نفوذها "من النيل إلى الفرات" والسيطرة على المياه والبترول وغيرها، وتعمل على "خلق تناقضات في هذه البلدان لضرب الوحدة الوطنية أو دعم المتمردين فيها والحركات المسلحة حتى تستفيد من واقع التجزئة".

ويشار إلى أن مجلة "يسرائيل ديفينس" الإسرائيلية، أوردت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي أن الاحتلال الإسرائيلي بصدد وضع خطة، قصيرة المدى، لاختراق القارة السمراء، عبر تصدير المزيد من السلاح الإسرائيلي، الذي ترتفع وتيرته، بمرور الوقت.

وأفادت المجلة عبر موقعها الإلكتروني آنذاك بأن إيلي كوهين، وزير الاقتصاد والصناعة في حكومة الاحتلال، وضخ خطة تأمينية لشركات تصدير الأسلحة بما يعادل 700 مليون دولار، بزيادة ميزانيتها، خاصة ببعض الدول الإفريقية من بينها كينيا ونيجيريا وأوغندا وإثيوبيا والكاميرون.

مدير المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الاستراتيجية جميل منصور، يدلل على التدخل الإسرائيلي في الشؤون الإفريقية بقوله: في عهد الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع (حكم من 1984 حتى 2005) حينما أقيمت علاقات بين موريتانيا و(إسرائيل) وردت بعض المؤشرات على أن آلات القمع ومسيلات الدموع التي استُعمِلت آنذاك ضد المتظاهرين كانت دعما إسرائيليا للنظام السابق؛ وفق تعبيره.

ويضيف منصور في اتصال هاتفي مع صحيفة "فلسطين": يُتداول على نطاق واسع أن هناك أسلحة إسرائيلية بالمعنى العسكري أو الشرطي والقمعي قدمتها (إسرائيل) "كمساعدة" في إطار سعيها لاختراق القارة الإفريقية وبناء علاقات مع أنظمة فيها تعاني مشكلات سياسية.

ويلفت إلى أن من المعروف أن في دول إفريقية "حركات تمرد كثيرا ما تكون لأسباب عرقية" وعندما يكون التوجه العام للنظام في تلك الدول غير مرضي بالنسبة لـ(إسرائيل) فإن من المتوقع أن تسعى لدعم تلك الحركات بالسلاح.

ويؤكد منصور وجود معطيات ومعلومات عن سعي إسرائيلي لاختراق المنطقة بأدوات مختلفة، وأبرزها المجال العسكري الذي يعد من أهم الأبواب التي "تقتحم" (إسرائيل) القارة عبرها.

وينبه الخبير الموريتاني إلى أن "الكيان الصهيوني لا يمكن أن يكون سببا في الاستقرار"، مبينا أنه معروف بعمله المخابراتي والعسكري الذي يوقع بين الناس ويغذي الصراع.

وتريد (إسرائيل) "نفوذا في هذه المنطقة" –والكلام لا يزال لمنصور- الذي يردف: إن الاحتلال الإسرائيلي يبذل جهدا لعقد قمة إسرائيلية إفريقية لاختراق القارة بمستويات مختلفة.

ويشير إلى أن "هذا الكيان يريد أن يتمدد ويكسب مزيدا من الشرعية" المزعومة، وهو يغذي الصراعات ليبقى مؤثرا ويحتاجه الطرف الذي يتعامل معه فإذا نجح يكون له "منة" عليه و"نفوذ" لمصلحة "المشروع الصهيوني وتقوية السياسات الاستعمارية الاحتلالية".

ويقول منصور: إن من طرق (إسرائيل) لإدخال السلاح هو تهريبه أو إيصاله عبر طرف ثالث، وفي أحيان كثيرة تتكشف الأمور من خلال الحصول على الرقم المتسلسل لسلاح ويتسرب الخبر.

ويوضح أنه حتى بالنسبة للأنظمة التي تُحرج من علاقاتها بـ(إسرائيل) سياسيا أو شعبيا فإنها قد تتلقى الأسلحة عبر طرف ثالث.

ويحذر من أن (إسرائيل) تُسجل سنة تلو سنة "حضورا معلنا أقوى" في إفريقيا و"ما خفي أعظم"، منبها إلى أن القارة واعدة اقتصاديا وعسكريا.

محطات العلاقة

ويُرجع مدير المركز الموريتاني للبحوث والدراسات الاستراتيجية سعي بعض الأنظمة الإفريقية لإقامة علاقات مع (إسرائيل) إلى ما تشيعه الأخيرة عن نفسها من ادعاءات التطور والحداثة وما تحظى به من الدعم الأمريكي، وهو ما يدفع أي نظام إفريقي يعاني من مشكلات وتحديات إلى النظر إليها "كطرف مهم خصوصا في ظل حالة الهوان العربي"؛ وفق وصفه.

وشهدت العلاقات الإفريقية الإسرائيلية محطات متعددة خلال السنوات الماضية، منها زيارة الزعيم التشادي إدريس ديبي (تل أبيب) و سط فلسطين المحتلة خلال 2018.

وكان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حضر المؤتمر الرئاسي الـ51 لمنظمة التعاون الاقتصادي بغرب إفريقيا "إيكواس" في مونروفيا عاصمة ليبيريا، في الرابع من يونيو/حزيران 2017.

وفي صيف سنة 2016، زار نتنياهو أربع دول في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي، هي: أوغندا وكينيا ورواندا وإثيوبيا.

واستضاف الاحتلال الإسرائيلي في ديسمبر/كانون الأول 2016، مؤتمرًا زراعيًّا خاصًّا بدول إفريقيا الغربية للتباحث حول الإنتاج المستدام في المناطق القاحلة وشبه القاحلة، حضره وزراء خارجية كل من نيجيريا، وتوغو، وليبيريا، وغينيا، والرأس الأخضر، وغامبيا، وسيراليون؛ ومسؤولون كبار من بنين، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، وغانا، وغينيا بيساو، والسنغال.

وفي يونيو/حزيران 2014 زار وزير خارجية الاحتلال السابق أفيغدور ليبرمان رواندا وإثيوبيا وكينيا بشرق إفريقيا وبالقرن الإفريقي، كما زار غانا وكوت ديفوار بغرب إفريقيا سعيًا منه للتمكين لرغبة الاحتلال في الحصول على صفة مراقب في الاتحاد الإفريقي.

لكن الاحتلال الإسرائيلي فشل في تنظيم مؤتمر إفريقيا و(إسرائيل) الذي كان مقررًا انعقاده بلومي، عاصمة توغو، في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2017، تحت عنوان التنمية والأمن التكنولوجي؛ نظرًا لعدم وجود إجماع إفريقي حول المؤتمر.

بيد أن مراسم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة في مايو/أيار 2018، شهدت حضور سفراء 12 دول إفريقية هي: أنغولا، والكاميرون، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجمهورية الكونغو، وكوت ديفوار، وكينيا، وجنوب السودان، وتنزانيا، وإثيوبيا، ونيجيريا، وزامبيا، ورواندا، وفق صحيفة "هآرتس" العبرية.

وتعد غانا أول دولة إفريقية تعترف رسميا بـ(إسرائيل)، عام 1956، وبحلول أوائل السبعينيات، كانت الأخيرة تربطها علاقات دبلوماسية كاملة مع 33 دولة إفريقية، بحسب وزارة خارجية الاحتلال على موقعها الإلكتروني.

وقطعت معظم الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى علاقاتها بدولة الاحتلال بعيد حرب 1973 بين (إسرائيل) وكل من مصر وسوريان لكن في الثمانينيات بدأت العلاقات الدبلوماسية مع دول جنوب الصحراء الإفريقية تُستأنف تدريجيا، مكتسبة بعض الزخم مع تقدم مفاوضات التسوية بين (إسرائيل) ودول عربية.

وبحلول أواخر التسعينيات كانت العلاقات الرسمية قد استؤنفت مع 39 دولة جنوب الصحراء الكبرى.

وتمتلك (إسرائيل) سفارات في 10 دول إفريقية من أصل 54، عدا عن العديد من السفراء غير المقيمين في دول أخرى.