​إذا كان إخفاء ملفات النكبة مفهومًا فلماذا الحكم العسكري أيضًا؟!

سليمان أبو ارشيد

ضمن الملفات التي حُجبت في إطار العملية المنهجية التي قامت بها أجهزة الأمن الإسرائيلية لإخفاء وثائق تاريخية مرتبطة بالمجازر وعمليات التهجير التي جرت خلال النكبة، التي كشفت عنها صحيفة "هآرتس"، أخيرًا، كان لافتا إخفاء ملف خاص بالحكم العسكري، الذي فرض على الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب منذ عام 1948 وحتى عام 1966.

ولطالما عد العديد من الباحثين مرحلة الحكم العسكري حلقة متممة للنكبة، كانت ضرورية لاستكمال التطهير العرقي والاستيلاء على "تركة" الفلسطينيين من بيوت وعقارات وممتلكات في المدن الرئيسة، إلى جانب استكمال تدمير القرى المهجّرة، ومنع عودة أهاليها إليها وإحكام قبضة السيطرة على أراضيها.

وفي هذا السّياق يؤكد "الملحق السّري" لتقرير اللجنة التي فحصت الحكم العسكري، الذي ينطوي عليه الملف، أن الصراع بين الدولة (إسرائيل) والمواطنين العرب كان يدور أساسا حول الأرض، في حين لم يتطرق تقريبًا لأي قضايا أمنية.

ويقول الباحث في الشأن السياسي، د.غادي الغازي، الذي عاين الملف بعد أن حُجب لسنوات طويلة عن عيون الباحثين، إنّ قضية لجنة الفحص هي واحدة فقط من الأسباب التي استدعت حجب الملف، إذ يحتوي الملف أيضًا تقرير اللجنة الوزارية الخاصة بالحكم العسكري، الذي يضم ملاحق سرية تبرز في أحدها شهادة الجنرال احتياط، ميشيل شاحام، أحد كبار جنرالات الحكم العسكري التي يقول فيها إنّ أحد أسباب عدم تفكيك الحكم العسكري هو ضرورة تقييد حرية العرب في الوصول إلى سوق العمل، ومنعهم من إعمار القرى المهجرة من جديد.

كما يحتوي الملف على شهادة تاريخية، غير معروفة، عن تهجير البدو في النقب، تكشف أنّه عشية إقامة الدولة (إسرائيل) عاش في النقب 100 ألف فلسطيني، وبقي بعد 3 سنوات 13 ألف فلسطيني فقط.

وتشير الشهادة إلى وقوع بعض عمليات التهجير بعد قيام الدولة، بينها العملية التي وثقها مراقبو الأمم المتحدة وطردت (إسرائيل) خلالها 400 شخصٍ من قبيلة عرب العزازمة وإحراق خيامهم، كما تفيد الرسالة التي يتضمنها الملف السري بوقوع تهجير مشابه عام 1956، مثلما روى عالم الجيولوجيا فرنيس.

ويقول فرنيس: "قبل شهر تجولنا في منطقة ’رمون’ فخرج البدو في ناحية ’موحيلة’ باتجاهنا مع قطعانهم وأهل بيتهم ودعونا لنأكل معهم الخبز فاعتذرنا، وفي جولتنا هذا الأسبوع توجهنا نحو ’موحيلة’ ولم نجد مكان البدو وقطعانهم سوى سكون الموت، في حين تناثرت أشلاء عشرات جثث الجمال على الأرض، ثم علمنا أنّه قبل ثلاثة أيام هاجم الجيش الإسرائيلي البدو وأباد قطعانهم، حيث أطلق جنوده الرصاص على الجمال، وألقوا القنابل على الأغنام، وقتلوا شخصًا لأنه اعترض، ونزح الآخرون".

الرسالة تفيد بأن الجيش الإسرائيلي كان قد أمر السكان منذ أسبوعين فقط بالبقاء في المكان، قبل أنّ يغيّر رأيه ويأمرهم بالرحيل، وإبادة 500 رأس من الماشية، لتعجيل عملية نزوحهم.

ويقول أحد الجنود لفرنيس، كما ورد في شهادته، إنّ الترحيل نُفّذ بطريقة "ناجعة، وإنّهم ما كانوا ليذهبوا إلا إذا أبدنا قطعانهم. ويروي الجندي كيف انتزع هو ومجموعة من الجنود قلادة فتاة بدوية بنت 16 ربيعا من رقبتها وتوزيع خرزاتها على بعضهم البعض ليحتفظ كل منهم بخرزة للذكرى".

وإذا كان اليوم، وبعد 71 عامًا على النكبة، ما زال الصراع على الأرض مشتعلًا في النقب وفي مختلف أنحاء الوطن الفلسطيني على جانبي الخط الأخضر فإنّ عمليات التهجير والتطهير العرقي ما زالت ترتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا الصراع بصفتها أحد أركان الأيديولوجية الصهيونية.