إقرأ المزيد


​تشارك في المسيرات بكرسيها المتحرك

أبو سلمية.. ثمانينية ترقب انتهاء "الكابوس"

غزة - مريم الشوبكي

علقت الحاجة "أمينة أبو سلمية" مفتاح بيت أبيها في "جورة عسقلان" في عنقها، وحملت علم بلادها، وخرجت لتشارك أبناء شعبها في مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار، تمني النفس بأن ينتهي "كابوس الهجرة"، فتجد نفسها مستظلة تحت "جميزة" بيتها في قريتها.

حينما أخبرها ابنها بما يُقال عن "تهجير الفلسطينيين إلى سيناء ضمن (صفقة القرن)، لم تنم ليلتين متواصلتين، وفي ذهنها سؤال يؤرقها: "كيف سيمحون تاريخنا على هذه الأرض ونحن أصحابها؟!"، فهي لم تستوعب بعد اللجوء الأول، لذلك عندما حان وقت مسيرات العودة، لم تفكر كثيرا، بل كان قرارها بالمشاركة جاهزًا.

رفّ قلبي

أبو سلمية (88 عاما)، تقطن في النصيرات وسط قطاع غزة، تنحدر أصولها من قرية جورة عسقلان المهجرة، خرجت منها عندما كان عمرها 17 عامًا، لذا لا تزال تتذكر كل شبر في أرضها، وتحتفظ بمفتاح بيت والدها هناك. والجورة هي قرية صغيرة تقع على الساحل الفلسطيني، احتُلت في نوفمبر من عام 1948.

تقول لـ"فلسطين": "حينما سمعت بمسيرات العودة رف قلبي شوقا إلى رائحة قريتي التي هُجرت منها، فخرجت مع حفيدي على كرسيي المتحرك لأشارك على الحدود شرقي البريج حيث مكان الخيام".

وتضيف: "شاركت لشوقي وحنيني لبلادي، ذهبت لأشم رائحة تراب قريتي، لن ننسى أرضنا، بل سنبقى نطالب بالعودة جيلًا بعد جيل، فكيف أنسى كروم العنب والتوت؟، كيف أنسى الرحلات التي كنا نقوم بها في أرجاء فلسطين؟، كيف أنسى جميزة بيتنا، كيف أنسى بحر بلادي".

وتتابع عن السبب الذي دفعها للمشاركة في مسيرة العودة: "حينما أسمع عن العودة إلى أراضينا المهجرة يكاد يطير قلبي شوقا لها، وتتزاحم لدي ذكريات الطفولة فيها".

حينما وصلت أبو سلمية الحدود، في أول أيام المسيرة، أطلقت زفرة ملؤها الآهات، سياجٌ شائك على بعد بضعة أمتار يفصلها عن "جورة عسقلان"، فيمنعها من إطفاء لهيب الشوق.

توضح: "عندما وصلت، أنشدت في حب البلاد والحنين لها أناشيد وأهازيج تراثية كنّا نتغنى بها قبل الهجرة، الفرحة لم تسعني وأنا أقترب من أراضينا المحتلة، لو كان لدي قدرة على المشي كانت أكملت المسير نحوها".

هناك أثار إعجابها الأطفال، إذ تبين : "لفت نظري مشاركة الأطفال في المسيرة وهم يرفعون علم فلسطين، وحرصهم على انتزاع حق العودة رغم أنهم لم يرو الأراضي المحتلة من قبل، هم فقط سمعوا عنها من قصص أجدادهم، وهذا دليل أن الشعب لم ينسَ، ولن ينسى بلاده، وأن كل فلسطيني مصمم على العودة إلى بلاده حتى آخر يوم في حياته".

ومنذ ذلك اليوم تلح، على أبنائها وزوجاتهم باصطحابها إلى الحدود لتشارك في فعاليات المسيرة، تقول: "أتمنى أن أشارك في المسيرة بشكل يومي، ولكن بسبب وضعي الصحي يحتّم نقلي على كرسي متحرك، وهذا صعب بسبب طول المسافة، فطلبت من أبنائي أن أبيت في الخيام حتي أبقى أشم رائحة تراب بلادي".

"تحت الجميزة"

حينما يمازحها ابنها بقوله "شو بدك بالبلاد يما، هيك عايشة ببيت 300 متر!"، تستشيط غضبا، وتردّ عليه بلكنتها التي تقلب فيها القاف، كافًا: "بدي أروح أقعد تحت جميزة دارنا وأقعد بخص أحسن من هذا كله".

مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار أحيت الأمل لدي الحاجة أبو سليمة، بالعودة قريبا إلى "جورة عسقلان" التي هجرت منها.

وفي حديثها، تستذكر أيام الهجرة: "تركت (جهاز عرسي) في بيت أبي لأننا كنا نظن أننا سنمكث خارج قريتنا أسبوعا واحدا فقط ثم سنعود إليها، ولكن هذا الكابوس طال أمده وأتمنى أن ينتهي بهذه المسيرة ".

لم تنسَ أبو سليمة قريتها يوما، وظلت تراودها أمنيات زيارتها، وهو ما تمكنت منه في بداية الثمانيات من القرن الماضي، تقول: "زرت بيتنا، وقبور جدي وإخواني السبعة الذين دُفنوا في وادي النمل، وجلبت غصن زيتون معي إلى غزة، لأني أردت أن يبقى معي أي شيء من رائحة بلدي".

أما "مفتاح الدار" فهو بمثابة "كنز" لم تتخلَ عنه الحاجة أبو سلمية، رغم مرور 70 عاما على الهجرة، وها هي تحمله أثناء مشاركتها في المسيرة، على أمل أن تعود إلى بلادها فتكمل فيها حياتها وتُدفَن فيها بعد مماتها.