إقرأ المزيد


​بحثًا عن "مصدر رزق" تجاوزَ العديد من العقبات

أبو حماد من الصفر تعلّم صُنع "العود"

خان يونس - هدى الدلو

في مدينة يُنال فيها كل شيء بشق الأنفس يقاسي الحياة المواطن عيد أبو حماد كغيره من السكان الذين يعانون الكثير من أجل العيش بكرامة؛ فالتيار الكهربائي منقطعٌ ساعاتٍ طويلة، ودرجات الحرارة تلهب بيته المسقوف بألواح (الزينجو) ليغدو أشبه بالفرن، ووضعه الاقتصادي آخذ في التدهور، هذه الظروف المعقدة كانت تدفعه كل مساء إلى الخروج من البيت، في محاولةٍ منه للتفريغ عن همومه المتكدسة على جدار قلبه؛ عله يرتاح قليلًا حين يجتمع بأصدقائه الذين يمتلكون موهبة العزف على "العود" الذي ما لبث أن أحبه.

أبو حماد الذي يقطن مدينة خان يونس تحدى أصدقاءه الذي مازحهم في البداية بأن يصنع لهم عودًا، قرر أن يكون "قد كلمته" ويفعلها، مع أنه لم يمارس يومًا مهنة النجارة، وكان من الغريب أن ينجح في صناعة هذه الآلة الدقيقة الصنع.

هذا الرجل عمل في بدايات شبابه في الداخل المحتل، لكن الوضع الاقتصادي ازداد سوءًا بمرور الأيام، لاسيما بعد أن أوقف الاحتلال إصدار تصاريح للعمال في قطاع غزة، لم يجد بدًّا من استخراج قدرات دفينة ما كان يعرفها عن نفسه.

بداية صعبة

يقول أبو حماد: "لا يمر يومٌ دون أن أجتمع مع أصدقائي عازفي العود كل مساء، أصبحت أعشق سماعه، لكني لا أتقن عزفه، فقلت لهم مازحًا: "ما رأيكم في أن أصنع لكم عودًا؟"، لم يأخذوا كلامي على محمل الجد، وبعضهم شكّك في قدرتي على ذلك لما يحتاج إليه من مهارة، ما استفز التحدي لدي، ووعدتهم أن الأيام القادمة ستثبت لهم أني أستطيع فعل الكثير".

ففي بيته الصغير اتخذ ركنًا ورشة عملٍ له، واشترى الأخشاب الخاصة بصنع العود، واقتنى بعض أدوات النجارة، وبحث جيدًا عبر المواقع الإلكترونية من أجل معرفة المقاسات الخاصة للعود، وتعلم طريقة صناعته، وتبين أن نتائج البحث قليلة، وفق قوله.

قرر أن يصنع العود، مهما كانت المعيقات، وبين تجارب كثيرة كانت إلى الفشل أقرب من النجاح تمكن من جمع الأخشاب المطلوبة، ونحتها، وصناعة القطع الداخلية للعود، ليصنع أول عودٍ بعد أربعة أشهر من المحاولة.

وأشار أبو حماد إلى أن الراغبين في اقتناء آلة العود يواجهون صعوبة في الحصول عليه، بسبب الحصار المفروض على قطاع غزة، فكثير ممن كانت تستهويهم فكرة صناعته غيروا مهنتهم لضعف الإقبال عليه، وعدم توافر المواد التي تستخدم في صناعته، في ظل ظهور آلات موسيقية جديدة تواكب العصر، فضلًا عن أنه من الآلات التي يصعب التعامل معها وتعلم العزف عليها، أي بمعنى آخر أصبحت مهنة تصارع من أجل البقاء.

عملُ مجهِد ومكلف

عقبات عدة اعترضته، من بينها نوع الخشب المستخدم في صناعة العود، ما دفعه إلى استخدام أخشاب بديلة ومتوافرة محلية، كخشب الجوز، والزان الأحمر، والماغوني، وعلاوةً على ذلك إن أسعار بعض القطع الأساسية _خاصة فيما يتعلق بالأوتار والمفاتيح_ مرتفعة جدًّا، لندرة توافرها في الأسواق.

وبين أبو حماد أنه يسعى منذ بداية سلوكه طريق صناعة العود قبل ما يقارب خمسة أعوام إلى تطوير عمله، والعمل على اكتساب مهارات بمتابعة ما ينشر على (يو تيوب) في هذا المجال.

وتمر صناعة هذه الآلة بعدة مراحل، تبدأ بتقطيع الألواح الخشبية بمقاسات مختلفة، ثم تعريضها للنار للتمكن من تقويسها، ثم تُلصق الألواح بمادة غراءٍ قوية، ولا يمكن إلصاق كل الألواح مرة واحدة إذ يتعين تركها حتى تجف، ثم "سنفرتها" بالزجاج، وتنتهي آلية التصنيع بوضع الزخرفة وعمل التصاميم، ويدخل في صناعتها 70-80 قطعة خشبية.

وتابع أبو حماد حديثه: "صناعة العود تستغرق ساعات عملٍ طويلة تستمر عدة أيام، إلى جانب أنها تتطلب دقة فائقة، وتصل تكلفته إلى ما يقارب 200 دولار"، متمنيًا أن تلقى هذه الآلة اهتمامًا ورواجًا.

وبعد أن وجد مصدر رزق جديدًا يأمل أن يعيد المجد لهذه الصناعة التي أوشكت على الانقراض، وأن تتوافر المواد اللازمة لها ليواصل العمل فيها، ويتمكن من تسويق أعماله إلى الخارج.

مواضيع متعلقة: