إقرأ المزيد


إبراهيم عبد الدايم.. نموذجٌ للجريح "المثالي"

غزة - هدى الدلو


من كل إشراقة شمس تتسلل خيوطها عبر نافذة غرفته، يستمد "إبراهيم عبد الدايم" شحنة من الطاقة والإرادة، لينهض من فراشه مستبشرًا بيوم مكلل بالنشاط والهمة العالية التي اعتادها، وبرزق طفلتيه الجميلتين، يرتدي ملابسه المعبقة برائحة الأحجار، والتي اكتسبت اللون الرمادي من أكياس "الإسمنت"، يعتلي كرسيه المتحرك الذي أصبح عوضًا عن رجليه المبتورتين، ليصل إلى مكان عمله في البناء والقصارة، رافضًا أن يكون "عالة" على أحد، ومصممًا على السعي ليتمكن من تلبية احتياجات ابنتيه، ليروي بعمله الشاق حكاية عنوانها الإرادة والتحدي.

كرامتي أولًا

عبد الدايم (30 عامًا) من بيت لاهيا شمال قطاع غزة، لم يتوقع يومًا أن يفقد القدرة الحركة والتنقل بكل حرية وراحة، ولكن هذا ما حدث بسبب إصابته في الحرب التي شنّها الاحتلال على قطاع غزة، عام 2014، ما أدى إلى بتر رجليه، وكانت النتيجة أن فقد عمله في البناء "القصارة"، ولكنه أبى إلا أن يتحدى الآلام والصعاب، وصمم على مد جسور من التحدي والإرادة بحثًا عن عملٍ آخر في ذات المجال، ليحيا حياة كريمة، فلا يكون عالة على أحد، ولا يرمقه الآخرون بنظرات الشفقة، "فكرامتي فوق كل اعتبار"، وفق قوله.

"صباح الخير يا معلم.."، يقولها "عبد الدايم" عندما يصل إلى مكان عمله في الموعد المحدد كل يوم دون تأخير، فيطلب منه "المعلم" تفقد "العدة" وإحضار بعض الحجارة لنصب "السقالة" ليصعد عليها العمال، وتنفيذا للطلب يحمل عدة أحجار فوق رجليه على كرسيه المتحرك ويمشي بها، وفي بعض الأحيان يترك كرسيه ويصعد على "السقالة" المنصوبة.

الجريح عبد الدايم يعيش ظروفًا اقتصادية صعبة، لذا يصر على الاستمرار في عمله، ويتمسك به "بيديه وأسنانه" كي يلبي احتياجات أسرته، ويدفع تكلفة استئجار البيت الذي يسكن فيه، فقد ترك المدرسة بعد الصف السابع، ولم يستطع أن يكمل تعليمه بسبب ظروف عائلته التي حالت دون ذلك، ولقلة فرص العمل فهو لا يزال في عمله رغم أنه يشكل عبئًا صحيًا عليه.

حكاية الإصابة

نجوا من موت ليتلقفهم آخر، ففي الحرب الأخيرة على قطاع غزة، تركت عائلة "عبد الدايم" بيتها بسبب شدة القصف الإسرائيلي على المنطقة، حيث كان كل شيء مستهدفًا، المتحرك والساكن، والصغير والكبير، الإنسان والحيوان.

قال عبد الدايم: "في 30 من شهر تموز/ يوليو لعام 2014، في أثناء العدوان على غزة تركنا البيت، ولجأنا إلى مدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين في منطقة جباليا، لنختبئ من الموت الذي عرف طريقه إلينا فيما بعد".

وأضاف، بعد أن أطلق العنان لتنهيدة طويلة كان قد كتمها في صدره منذ بداية اللقاء: "لن أنسى هذا اليوم ما حييت، إذ رأيت أنا وعائلتي الموت بأم عيني، عندما استهدف الاحتلال المدرسة فاستشهد والدي وأخي، وأصيبت والدتي وأختي وزوجتي وابنتي، وأصبت أنا في رجليّ مما أدى إلى بترهما".

عندما عاد ضيفنا للوعي بعد الإصابة، كان على السرير في المستشفى، أوضح: "الأمر كان صعبًا، فقد فقدت القدرة على المشي والحركة، أول ما تبادر إلى ذهني أنني سأبقى حبيس البيت، ولكن لم أقوَ على تخيل ذلك، فاستفقت من غفلتي ونهضت بكامل عزيمتي أتحدى كل الصعاب من أجل توفير قوت أطفالي من عرق جبيني"، وفق قوله.

ورغم وضعه الصحي، وإعاقته التي وُصفت بالشديدة، إلا أنه لا يزال يسجل أهدافًا في مرمى "الحياة" من خلال إصراره وعزيمته على ممارستها بكافة أشكالها، بما في ذلك الاهتمام بهوايته الرياضية، كرة السلة، التي يعدّها جزءًا لا يتجزأ من حياته، ولا يمكن التنازل عنها، خاصة أنه يتخذ منها وسيلة لتفريغ همومه وآلامه وأحزانه.

وفي أثناء ممارستها مع أصدقائه، لا يشعر بالعجز، بل يتنقل في الملعب بحرية وسرعة، وقد شارك في عدة بطولات تعقدها الأندية الفلسطينية، وفي كل مرة تكون الميدالية الذهبية حليفة له.

تشكل المعاناة جزءًا غير بسيط من حياة عبد الدايم، إلا أنه مثال للإرادة العزيمة على استكمال الحياة ومواجهة المشاكل والصعوبات، وبذلك فهو يمثّل نموذجًا للجريح الفلسطيني.

مواضيع متعلقة: