إقرأ المزيد


​إبل ابن الأمير

صورة تعبيرية
بقلم / عماد صيام

خرج سيدنا عُمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) إلى السوق في جولةٍ تفقدية فرأى إبلًا سمينةً تمتاز عن بقية الإبل، فسأل: "إبل مَن هذه؟" فقالوا: هي إبل ابنك، فقال: عبد الله بن عمر؟! بخٍ بخٍ يا ابن أمير المؤمنين!", وأرسل في طلبه فورًا، وسأله ما هذه الإبل يا عبد الله؟", فأجاب: "إنها إبلٌ هزيلة اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى الحِمى (المراعي) أُتاجر فيها، وأبتغي ما يبتغي المسلمون، فأيّ ذنبٍ ارتكبته؟! فقال عمر متهكمًا: "ويقول الناس حين يرونها: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقُوا إبل ابن أمير المؤمنين، وتسمن إبل ابن أمير المؤمنين على حساب باقي الإبل! بع هذه الإبل، وخذ رأس مالك منها، واجعل الربح في بيت مال المسلمين.

فهل يسأل كل رئيس ومسئول وولي أمر عن أموال أولادهم وأموال حاشيتهم وبطانتهم والمقرّبين منهم، وموظفيهم؟! من أين هذه الأموال التي يملكونها؟! من أين هذه الأراضي التي يشترونها؟! كيف بموظف دخله محدود أصبح رجل أعمالٍ ثريًا؟!

ذات مرة سأل وفدًا جاءه من "حمص" عن واليهم عبد الله بن قرط، فقالوا: "هو خيرٌ يا أمير المؤمنين، لولا أنه بنى لنفسه دارًا فارهة، فقال سيدنا عمر: دارًا فارهة يتشامخ بها على الناس، بخٍ بخٍ يا ابن قرط، ثم أرسل إليه رسولًا وقال له: ابدأ بالدار فاحرق بابها، ثم ائتِ به إليّ، ويأتي هذا الوالي، وما كاد يقبل على أمير المؤمنين حتى أمره أن يخلع حُلَّته ويلبس مكانها لباس الرعاة وقال له: هذا خيرٌ مما كان يلبس أبوك، ثم تناول عصًا، وقال له: هذه خيرٌ من العصا التي كان أبوك يهشُّ بها على غنمه، ثم أشار إلى الإبل وقال له: اتبعها وارعها يا عبد الله".

لم يفعل سيدنا عمر هذا مع والي "حمص" إلا لأنه شعر أن المنصب فتنه وأنه مال إلى الدنيا، وأغلق بابه دون الناس، فأراد أن يؤدبه لتعود نفسه لفطرتها السليمة.

ومرة هرول وراء بعير أفلت من حظيرة، فسأله عليُّ بن أبي طالب (رضي الله عنه): "إلى أين يا أمير المؤمنين؟", فقال: "بعيرٌ أفلت من إبل الصدقة أطلبه" فقال عليٌ: "لقد أتعبت الذين سيجيئون من بعدك"، فيجيبه عُمر: "والذي بعث محمدًا بالحق لو أن عنزةً ذهبت بشاطئ الفرات لأُخذ بها عُمر يوم القيامة"، وكان يقول لو أن بغلة عثرت بأرض العراق لظننت أن الله سائلني عنها!

ورغم العدل الذي حكم به عُمر، إلا أنه عندما شارف على الموت قال لابنه عبد الله: "خذ رأسي عن الوسادة وضعه فوق التراب لعلَّ الله ينظر إليَّ فيرحمني، يا ويل عُمر ويا ويل أم عُمر إن لم يرحمني ربي".