إعاقة "مراد دعنا" لم تمنعه عن الأقصى

القدس المحتلة- غزة- أسماء صرصور:

أن تكون شغوفًا بحب الأقصى، يعني وجوب استعدادك الدائم لأن تكون هدفًا لقوات الاحتلال الإسرائيلي، حتى وإن كنت صاحب إعاقة حركية، فجسدك المسجون داخل كرسي مدولب لن يمنع عنك الاعتقال بأي تهمة قد لا تخطر على البال.

بطل حكايتنا لهذا اليوم هو مراد صالح دعنا (38 عامًا) من رأس العمود في القدس المحتلة، كان يعمل مهندسًا ميكانيكيًّا، متزوج ولديه أربعة أولاد وبنت، أكبرهم يوسف (11 عامًا) وآخرهم يحيى عياش.

يقول دعنا لـ"فلسطين": إن الحادث وقع قبل سنوات، وقد كان مدبرًا من "الشاباك" الإسرائيلي لمحاولة تصفيته، مستندًا في كلامه هذا إلى محاميته.

وأشار إلى أن الحادث كان خطيرًا جدًّا، حيث رقد لعام كامل في المشفى، منها ثلاثة أشهر في غيبوبة، وتعرض لثلاثة كسور في الظهر، والقفص الصدري، والأكتاف، والركبة، ما أثر سلبًا على قدرته على المشي، ولا يتحرك إلا بكرسي متحرك.

دعنا يحمد الله ويشكره في اليوم ألف مرة أن أبقاه على قيد الحياة لأمه وزوجته وأولاده، موضحًا أنه استقبل خبر إعاقته بروح إيمانية، فالمسلم أمره كله له خير، حتى وإن كان الأمر صعبًا لكنه تعدى مرحلة الصدمة بالواقع الجديد من البداية، "لأنني لستُ أفضل من شباب الانتفاضة الذين فقدوا أطرافهم وضحوا بأرواحهم، فأنا الآن أذهب للأقصى ولأسواق القدس وأشارك في المناسبات والندوات والمهرجانات.

ويتابع: "أما المعاناة التي عانيتها هي نظرة الناس، كيف أن إنسانًا كان على قدميه أصبح الآن يحتاج إلى المساعدة؟ والمعاناة النفسية خاصةً في البداية، فالحياة اختلفت عليَّ، مضيفًا: "أما المجتمع فينقسم إلى: أناس ساعدتني وقوَّتني، وآخرين ينظرون إليَّ نظرة شفقة، فهؤلاء كنت لا أبالي بهم حتى لا أحبط بهم، أما من ساعدني كنت أحبهم وأتودد إليهم، فقد كانت كلماتهم وأنفاسهم معي تدفعني للتقدم والتحدي".

ولأن القدس واقعة تحت حكم الاحتلال، فقد كان وما زال دعنا مضطرًا لتأدية كل الحقوق التي تفرضها قوانين الاحتلال عليه، فيدفع كل الضرائب والتأمينات، لكن عند حقوقه لم يأخذها كلها، فالمحاكم الإسرائيلية تفرق بينه وبين الإسرائيلي كونه عربيًّا.

ويلفت إلى أنه تعرض للاعتقال قبل الحادث وبعده، فحتى وهو على الكرسي المتحرك اعتقل ثلاث مرات، مشيرًا إلى أنه في الانتفاضة الأولى أصيب مرتين، وفي المدة الأخيرة أصيب ثلاث مرات.

وأما عن التهم الموجهة له في كل اعتقال، فالتهمة الأولى حيازة سلاح، والثانية حب الأقصى، والثالثة التحريض على الفيسبوك، وفي المرات الثلاثة كان الاعتقال بذريعة واهية لا أصل لها.

يتابع دعنا: "اللهم بسبب كتاباتي على فيسبوك وتحريضي على السلطة الوطنية والتي كنت أعرّي فيها كذب قيادتها، وقد هددتني السلطة وتوعدني عناصر أمنها، وبعد أن توعدوني بعدد من الأيام اقتحمت بيتي مخابرات الاحتلال، واعتدوا عليّ وخربوا بيتي وقدرت المخاسر يومها بخمسة عشر ألف شيكل، وبعد ثلاثة أشهر عادوا مرة أخرى وكسّروا البيت، وثالث مرة فعلوا الشيء نفسه، والتهمة الحقيقية هي التحريض على السلطة الفلسطينية".

وفي غرفة التحقيق قال له الإسرائيليون إنها لم تكفَّ عن هذا التحريض، فأنت تعرض نفسك للمساءلة القانونية، وعرضوا عليه أناسًا معتقلين حالتهم الصحية أسوأ من حالته كشخص مبتور القدمين، وآخر ضرير، ومريض سرطان، وقالوا له إنك لست أفضل منهم، ولن نتردد ثانية في اعتقالك، ولأجل أولاده وحالته الصحية –خاصةً أنه كان في مرحلة العلاج– قرر اعتزال "فيسبوك" قليلًا.

وبعد الإصابة يشغل مراد وقته بالقراءة، ويعمل مع جمعية "العيش المستقل" للمعاقين حركيًّا، ويشترك في دورات وندوات مع أولاده.

أما عن مشواره للصلاة في المسجد الأقصى، في البداية كان يداوم كل وقتٍ بوقته، لكن الأمور الآن أصبحت أكثر صعوبة، خاصة في الأيام الممطرة، ولبعد المسافة، وليس معه كرسي كهربائي، والطريق إلى المسجد الأقصى عبر البلدة القديمة، يمر بدرجات وطلوع ونزول، والدخول إلى المسجد والخروج منه هناك فيه رقابة، كما أن إحدى التهم وهي "حب الأقصى"، سببها وجوده السابق الدائم في المسجد الأقصى المبارك، لذا لا يستطيع الذهاب دائمًا هذه الأيام إلى الأقصى.

ومؤخرًا، استصدر دعنا رخصة قيادة لذوي الإعاقة، ويسعى الآن لشراء سيارة أو كرسي كهربائي، حتى يستطيع الذهاب كل فرض بفرضه إلى الأقصى، حتى صلاة الفجر.